ابن عربي

17

تفسير ابن عربي

النفسانية * ( امكثوا ) * اسكنوا ولا تتحركوا إذ السير إنما يصير إلى العالم القدسي ويتصل به عند هذه القوى البشرية من الحواس الظاهرة والباطنة الشاغلة لها * ( إني آنست نارا ) * أي : رأيت نارا * ( لعلي آتيكم منها بقبس ) * أي : هيئة نورية اتصالية ينتفع بها كلكم فيتنور وتصير ذاته فضيلة * ( أو أجد على النار ) * من يهديني بالعلم والمعرفة الموجب للهداية إلى الحق أي : اكتسب بالاتصال بها الهيئة النورية أو الصور العلمية * ( فلما أتاها ) * أي : اتصل ( نودي ) * من وراء الحجب النارية التي هي سرادقات العزة والجلال المحتجبة بها الحضرة الإلهية * ( يا موسى إني أنا ربك ) * محتجباً بالصورة النارية التي هي أحد أستار جلالي متجلياً فيها * ( فاخلع نعليك ) * أي : نفسك وبدنك أو الكونين لأنه إذا تجرد عنهما فقد تجرد عن الكونين أي : كما تجردت بروحك وسرك عن صفاتهما وهيئاتهما حتى اتصلت بروح القدس وتجرد بقلبك وصدرك عنهما بقطع العلاقة الكلية ومحو الآثار والفناء عن الصفات والأفعال . وإنما سماهما نعلين ولم يسمهما ثوبين لأنه لو لم يتجرد عن ملابسهما لم يتصل بعالم القدس والحال حال الاتصال ، وإنما أمره بالانقطاع إليه بالكلية كما قال : * ( وتبتل إليه تبتيلا ) * [ المزمل ، الآية : 8 ] فكأنه بقيت علاقته معهما والتعلق بهما يسوخ قدمه التي هي الجهة السفلية من القلب المسماة بالصدر ، فهما بعد التوجه الروحي والسري نحو القدس ، فأمره بالقطع عنهما في مقام الروح ، ولهذا علل وجوب الخلع بقوله : * ( إنك بالواد المقدس طوى ) * أي : عالم الروح المنزه عن آثار التعلق وهيئات اللواحق والعلائق المادية المسمى طوى ، لطي أطوار الملكوت وأجرام السماوات والأرضين تحته . ولقد صدق من قال : أمر بخلعهما لكونهما من جلد حمار ميت غير مدبوغ . وقيل لما نودي وسوس إليه الشيطان : إنك تنادى من شيطان ! فقال : أفرق به ، إني أسمع من جميع الجهات الست بجميع أعضائي ولا يكون ذلك إلا بنداء الرحمن . * ( وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) * هذا وعد بالاصطفاء الذي كان بعد التجلي التام الذاتي الذي جعل جبل وجوده دكا بالفناء فيه بالاندكاك وخروره صعقا عند إفاقته بالوجود الحقاني كما قال تعالى : * ( فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسلتي وبكلامي ) * [ الأعراف ، الآيات : 143 - 144 ] ، وهذا التجلي هو تجلي الصفات قبل تجلي الذات ، ولهذا أرسله ولم يستنبئه بالوحي هنا ، وأمره بالرياضة والحضور والمراقبة ووعده وقوع القيامة الكبرى عن قريب . فهذا الاختيار قريب من الاجتباء الأصلي المشار إليه بقوله : * ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) * [ طه ، الآية : 122 ] متوسط بينه وبين الاصطفاء . تفسير سورة طه من [ آية 14 - 16 ]